الجصاص

399

أحكام القرآن

بهتان عظيم ) تعليما لنا بما نقوله عند سماع مثله فيمن كان ظاهر حاله العدالة وبراءة الساحة . قوله تعالى : ( سبحانك هذا بهتان عظيم ) أي : تنزيها لك من أن نغضبك ولا بسماع مثل هذا القول في تصديق قائله ، وهو كذب وبهتان في ظاهر الحكم . وقوله تعالى : ( يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا ) ، فإنه تعالى يعظنا ويزجرنا بهذه الزواجر وعقاب الدنيا بالحد مع ما نستحق من عقاب الآخرة لئلا نعود إلى مثل هذا الفعل أبدا ، ( إن كنتم مؤمنين ) بالله مصدقين لرسوله . قوله تعالى : ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ) . أبان الله بهذه الآية وجوب حسن الاعتقاد في المؤمنين ومحبة الخير والصلاح لهم ، فأخبر فيها بوعيد من أحب إظهار الفاحشة والقذف والقول القبيح للمؤمنين وجعل ذلك من الكبائر التي يستحق عليها العقاب ، وذلك يدل على وجوب سلامة القلب للمؤمنين كوجوب كف الجوارح والقول عما يضر بهم . وروى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " المؤمن من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه " ، وقال : " ليس بمؤمن من لا يؤمن جاره بوائقه " ، وحدثنا عبد الباقي قال : حدثنا الحسين بن العباس الرازي قال : حدثنا سهل بن عثمان قال : حدثنا زياد بن عبد الله عن ليث عن طلحة عن خيثمة عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من سره أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويحب أن يأتي إلى الناس ما يحب أن يأتوا إليه " . وحدثنا عبد الباقي قال : حدثنا إبراهيم بن هاشم قال : حدثنا هدبة قال : حدثنا همام قال : حدثنا قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير " . قوله تعالى : ( ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ) . روي عن ابن عباس وعائشة أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه ويتيمين كانا في حجره ينفق عليهما ، أحدهما مسطح بن أثاثة ، وكان ممن خاض في أمر عائشة ، فلما نزلت براءتها حلف أبو بكر أن لا ينفعهما بنفع أبدا ، فلما نزلت هذه الآية عاد له وقال : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي ، والله لا أنزعها عنهما أبدا ! وكان مسطح ابن خالة أبي بكر مسكينا ومهاجرا من مكة إلى المدينة من البدريين . وفي هذا دليل على أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها أنه ينبغي له أن يأتي الذي هو خير ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " . ومن الناس من يقول إنه يأتي الذي هو خير وذلك كفارته ، وقد روي أيضا في